البغوي

103

شرح السنة

قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْمُهُ أَسْلَمُ . وَابْنُ أَبِي رَافِعٍ اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ ، كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَحِلُّ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَكَهُمْ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الْغَنِيمَةِ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ ، وَتِلْكَ الْعَطِيَّةُ عِوَضٌ لَهُمْ عَمَّا حُرِمُوا مِنَ الصَّدَقَةِ . فَأَمَّا مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُبِحْ لَهُمْ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَ لَهُمْ ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى ، وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا رَافِعٍ تَنْزِيهًا لَهُ ، وَقَالَ : « مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ » فِي الاقْتِدَاءِ بِهِمْ ، وَالْأَخْذِ بِسِيرَتِهِمْ فِي الاجْتِنَابِ عَمَّا يَجْتَنِبُونَ عَنْهُ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْفِيهِ الْمَئُونَةَ ، إِذْ كَانَ أَبُو رَافِعٍ يَتَصَرَّفُ لَهُ فِي الْحَاجَةِ وَالْخِدْمَةِ ، فَقَالَ لَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى : إِذَا كَانَتْ تَسْتَغْنِي بِمَا أُعْطِيتَ ، فَلا تَطْلُبْ أَوْسَاخَ النَّاسِ ، فَإِنَّكَ مَوْلانَا وَمِنَّا . أَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ، فَكَانَ مُبَاحًا لآلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَأْخُذُهَا تَنْزِيهًا ، رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، قِيلَ لَهُ : تَشْرَبُ مِنَ الصَّدَقَةِ ؟ ! فَقَالَ : إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ .